الشوكاني
350
فتح القدير
تنبيه على العلة بالشرك والنجاسة ، ويجاب عنه بأن هذا القياس مردود بربطه صلى الله عليه وآله وسلم لثمامة بن أثال في مسجده ، وإنزال وفد ثقيف فيه . وروى عن أبي حنيفة مثل قول الشافعي ، وزاد أنه يجوز دخول الذمي سائر المساجد من غير حاجة ، وقيده الشافعي بالحاجة . وقال قتادة : إنه يجوز ذلك للذمي دون المشرك . وروى عن أبي حنيفة أيضا أنه يجوز لهم دخول الحرم والمسجد الحرام وسائر المساجد ، ونهى المشركين عن أن يقربوا المسجد الحرام هو نهى للمسلمين عن أن يمكنوهم من ذلك ، فهو من باب قولهم : لا أرينك هاهنا . قوله ( بعد عامهم هذا ) فيه قولان : أحدهما أنه سنة تسع ، وهي التي حج فيها أبو بكر على الموسم . الثاني أنه سنة عشر قاله قتادة ، قال ابن العربي : وهو الصحيح الذي يعطيه مقتضى اللفظ ، ومن العجب أن يقال إنه سنة تسع ، وهو العام الذي وقع فيه الأذان ، ولو دخل غلام رجل داره يوما فقال له مولاه : لا تدخل هذه الدار بعد يومك لم يكن المراد اليوم الذي دخل في انتهى . ويجاب عنه بأن الذي يعطيه مقتضى اللفظ هو خلاف ما زعمه ، فإن الإشارة بقوله ( بعد علمهم هذا ) إلى العام المذكور قبل اسم الإشارة وهو عام النداء ، وهكذا في المثال الذي ذكره المراد النهي عن دخولها بعد يوم الدخول الذي وقع فيه الخطاب ، والأمر ظاهر لا يخفى ، ولعله أراد تفسير ما بعد المضاف إلى عامهم ولا شك أنه عام عشر ، وأما تفسير العام المشار إليه بهذا ، فلا شك ولا ريب أنه عام تسع ، وعلى هذا يحمل قول قتادة . وقد استدل من قال بأنه يجوز للمشركين دخول المسجد الحرام وغيره من المساجد بهذا القيد ، أعني قوله ( بعد عامهم هذا ) قائلا إن النهي مختص بوقت الحج والعمرة ، فهم ممنوعون عن الحج والعمرة فقط لا عن مطلق الدخول . ويجاب عنه بأن ظاهر النهي عن القربان بعد هذا العام يفيد المنع من القربان في كل وقت من الأوقات الكائنة بعده . وتخصيص بعضها بالجواز يحتاج إلى مخصص . قوله ( وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله ) العيلة الفقر ، يقال عال الرجل يعيل : إذا افتقر ، قال الشاعر : وما يدري الفقير متى غناه * وما يدري الغني متى يعيل وقرأ علقمة وغيره من أصحاب ابن مسعود " عايلة ! وهو مصدر كالقايلة والعافية والعاقبة ، وقيل معناه : خصلة شاقة ، يقال عالني الأمر يعولني : أي شق علي واشتد . وحكى ابن جرير الطبري أنه يقال عال يعول : إذا افتقر ، وكان المسلمون لما منعوا المشركين من الموسم وهم كانوا يجلبون إليه الأطعمة والتجارات . قذف الشيطان في قلوبهم الخوف من الفقر وقالوا : من أين نعيش ؟ فوعدهم الله أن يغنيهم من فضله . قال الضحاك : ففتح الله عليهم باب الجزية من أهل الذمة بقوله ( قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ) الآية . وقال عكرمة : أغناهم بإدرار المطر والنبات وخصب الأرض ، وأسلمت العرب فحملوا إلى مكة ما أغناهم الله به . وقيل أغناهم بالفئ ، وفائدة التقييد بالمشيئة التعلم للعباد بأن يقولوا ذلك في كل ما يتكلمون به مما له تعلق بالزمن المستقبل ، ولئلا يفتروا عن الدعاء والتضرع ( إن الله عليم ) بأحوالكم ( حكيم ) في إعطائه ومنعه ، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن . قوله ( قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ) الآية ، فيه الأمر بقتال من جمع بين هذه الأوصاف . قال أبو الوفاء بن عقيل : إن قوله ( قاتلوا ) أمر بالعقوبة ، ثم قال ( الذين لا يؤمنون بالله ) فبين الذنب الذي توجبه العقوبة ، ثم قال ( ولا باليوم الآخر ) فأكد الذنب في جانب الاعتقاد ، ثم قال ( ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ) فيه زيادة للذنب في مخالفة الأعمال ، ثم قال ( ولا يدينون دين الحق ) فيه إشارة إلى تأكيد المعصية بالانحراف والمعاندة والأنفة عن الاستسلام ، ثم قال ( من الذين أوتوا الكتاب تأكيد للحجة عليهم لأنهم كانوا يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل ، ثم قال ( حتى يعطوا الجزية ) فبين الغاية التي تمتد إليها العقوبة انتهى . قوله ( من الذين أوتوا الكتاب ) بيان